محمد بن جرير الطبري

190

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إلى المعصية ، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه ، وقد قال الله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ فأخرجهما مما كانا فيه وقال : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وقد قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إلى آخر السورة . ثم ذكر الأَخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، قال ابن إسحاق : وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله ، كأمره فيما بينه وبين آدم ، فقال الله : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما ، كما قص الله علينا من خبرهما ، قال : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه ، والله أعلم أي ذلك كان ؛ فتابا إلى ربهما . قال أبو جعفر : وليس في يقين ابن إسحاق لو كان قد أيقن في نفسه أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به ما يجوز لذي فهم الاعتراض به على ما ورد من القول مستفيضا من أهل العلم مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم ، فكيف بشكه ؟ والله نسأل التوفيق . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ قال أبو جعفر : وأما تأويل قوله : فَأَخْرَجَهُما فإنه يعني : فأخرج الشيطان آدم وزوجته مما كانا ، يعني مما كان فيه آدم وزوجته من رغد العيش في الجنة ، وسعة نعيمها الذي كانا فيه . وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان ، وإن كان الله هو المخرج لهما ؛ لأَن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان ، وأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه كما يقول القائل لرجل وصل إليه منه أذى حتى تحول من أجله عن موضع كان يسكنه : ما حولني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت ، ولم يكن منه له تحويل ، ولكنه لما كان تحوله عن سبب منه جاز له إضافة تحويله إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال أبو جعفر : يقال : هبط فلان أرض كذا ووادي كذا : إذا حل ذلك كما قال الشاعر : ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت * أيدي الركاب بهم من راكس فلقا وقد أبان هذا القول من الله جل ثناؤه عن صحة ما قلنا من أن المخرج آدم من الجنة هو الله جل ثناؤه ، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما كان على ما وصفنا . ودل بذلك أيضا على أن هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس كان في وقت واحد . بجمع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم ، بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته ، وتسبب إبليس ذلك لهما ، على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم . وقد اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : اهْبِطُوا مع إجماعهم على أن آدم وزوجته ممن عني به فحدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن أبي عوانة ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال : آدم ، وحواء ، وإبليس ، والحية حدثنا ابن وكيع وموسى بن هارون ، قالا : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ